المشاركات

الله الفكْرة

صورة
                                             طالما أحببت الله كرضيع تطمئنه أمه، تخبرني أن بإمكاني فعل ذلك، أو أنني أستحق الحب، أنني لن أحيا يوماً دون أن أتجشأ من الشبع، أو دون سترة فوق كتفي، كانت هذه اللحظات تمثل سرير دافئ ومريح .. حضن صديق عزيز ..كما تخبرك حبيبتك أن كل شئ على ما يُرام .. عندما يكاد قلبك أن يشق صدرك صارخاً: "إرحمني يا الله .. فقد تعبْتُ اللهاث" .. روحاً أضناها الحِمل .. وكاد أن يفلت منها الزمام .. وما الحمول إلا على الله .. حالفني الحظ كثيراً وقد أعجبتني  فكرة أن الله يدعمني "أنا" ، أنه يخفي لي شيئا مميزاً؛  لكن عميقاً داخل قلبي كانت المُقايضة مُرضية إلى حد قريب، سوف أُتمم طقوسي وتلاواتي، وانت توفِّر لي أسباباً تجعلني أقبل نفسي؛  كنسمة ريح حادة ترضى بها فقط لأنك تصببت عرقاً، أو لتمدح ما ينفعك وتقايضه حريتك .. كحُب أصطنعته لأنك لا تقوى الكره .. ولكنك تكره بالله .. وتلفظ اسماء سميتها .. لا تعني ما عنيته .. طالما تمنيت أن تكون حبكة الحياة بسيطة ...

بيْن الله والله

صورة
                                   الله أن تسْكُن كل شئ، فتسْعَد بكل شئ ..   لم يعد شئ يشكل فارقاً، وتهيم بكل شئ رغم ذلك .. الله ألا تميل نحو أي شئ، فكل شئ يدور فيك، يكفيك أن تدور في مكانك حتى تُصاب بالله .. أنظر داخلك، الله لا يسكن عوالم غير مأهولة .. الله حيث التردد بين النعم واللا .. الله حيث تنزل النهر للمرة الثانية .. الله حيث تخلع نعليك، وتقلم أظافرك، وتحلق رأسك .. الله حيث الترك وانت موجود .. الله أن تموت وانت تنبض .. الله أن تحب الشئ والنقيض .. يجب ألا تعي الطريق لله .. الله أن تصدُق الرقص ..

غفلة عاشق

صورة
يامن أنا انت وانت أنا .. تحتجب عني بالبُعد والسنا حجابك فيك انت سدلتهُ .. غفلت عني وعنك بالدُنى أرى ظلك في كل نحو سلكته .. عاشقاً ما طال من العشق إلا وصفه ما من نحو إلى العشق منتهى .. ولا خلاص للعاشق إلا شقَّ قلبه شغلت كُلي وانت غائبٌ .. مابال الحضور بكلي فاعلٌ بل انت من غبت بالغفلة عننا .. ألست قائلا أنا انت وانت أنا

ذاتي وعثراتي

صورة
كفرت بذاتك لذاتي .. ظناً أن بذاتي حياتي نظرت لذاتي فرأيتُ .. عثرات حياتي ورهبات مماتي كفرتُ لذاتك بذاتي .. ظناً أن فيك مماتي نظرت بذاتك لذاتي .. فتُهت وسط شتاتي كفرتُ بذاتك وذاتي .. توقاً لما وراء الذاتِ ما وراء الذات وجدت شيئاً .. إلا ذاتي وذاتي كفرت بالكفر وقد علمتُ .. أني ذاتك وانت ذاتي من ذاتي لذاتي إليك المنتهى .. فلا حياتي ولا مماتي

العاهرة التي صرفت العفريت

صورة
رسم: محمد فخراني لحينٍ من الوقتْ لم تعرف أين هي ؟! .. كم لبِثت ؟! .. يغمرها شعور بالتيه ووِحدة موحشة، يفيض جسدها المنهك بعرق مُضْجِر، تقتحم رائحته صَدرها   المكشوف، من خلال ردائها الأحمر القصير؛ ظِلال شعرها الأحمر تجعل الرؤية ضبابية؛ شعرت ببرودة المعدن على معصميها فشهقت؛ جذبت يديها فلم تستطع .. هي مكبلة إذاً. أصوات حركة بدأت تنمو من حولها، كلمات من دون صوت، عبارات بلا معنى، أصوات حادة وسريعة تأتي من كل صوب، لكن داخل عقلها فقط؛ شعرت بدفعة من دون يد، ثم توالت الدفعات من كل ناحية، تعثرت فسقطت على وجهها، احكمت يد على شعرها وجذبتها للخلف فكادت أن تقتلعه، أطلقت صرخة مكتومة، حتى تبينت ما حولها. سماء غير موجودة، وأرض غير ممدودة، تطفو فوقها بركبتين داميتين، تشعر بحواف صخور غير مرئية، ليس هناك أفق، ولكنه ضيق كتابوت مغلق، آلواناً باهته، نجوم تلمع ثم فضاءٌ مُصمت، فراغ لا متناهي، ثم جمود، كأنها داخل مكعب ضخم من الثلج، لا نهار ولا ليل، جف حلقها وتجمد الدم في أوصالها، وبقيت فاغره ثغرها، وعيناها مثبتتان بلا حراك. كيانات تطفو من حولها في عشوائية موحشة، ألسنة من لهب تهيج ...

وعيْ اللحظة

تعالت صيحات قلبي المتّقِد، عندما عبست قسمات وجهي الباهت، وأتجهت -الصيحات- صوب حلقي المنتفخ؛ قبل أن يمر سؤال مستهتر غيرُ مبالٍ، يطوي التروّي والتساؤل الأحمق، فشد استهتاره الجميع حتى عم الصمت، فعندما سمعناهُ -السؤال- وجدنا أننا نعيش ما تمنيناهُ جميعا، ولكننا لم ننتبه ..

أنت وحدك

عندما تلقى الصفعات على وجهه المتورم .. محاولات شتى للإهانة .. زجر وشتم .. آثار ضرب مبرح تتزاحم على جسده .. علامات حمراء وأخرى زرقاء وبعضها داكنة تتلوى وتتشابك فوق جسده النحيل .. أرتكن في زاوية الغرفة وقد تكوًّر جسده، وأرتسمت خطوط من الدموع منبعها عينيه ومبغاها اللانهاية؛ عينان باهتتان شخصتان في اللاشئ لاترمش .. ورغم ذلك السكون البادي فالحال في عقله كان يعج بأصواتاً سائلة وأُخرى مجيبة .. استنتاجات تتبعها إجابات .. وإجابات تليها استنتاجات وكلها تصل إلى إجابة واحدة .. بأصوات عديدة منها من يصرخ ومنها من يهمس .. أصوات غاضبة وأخرى حكيمة .. جميعها تقول: أنت وحدك .. حان وقت سلسلة أخرى من الصفعات واللكمات .. لكنه هذه المرة غير خائف . كأن ليس هناك ألماً، وقف بجسده النحيل يترنح .. تلقى صفعة فلم يشعر بها، ثم دفعة فسقط أرضاً، فأنتصب مرة أُخرى .. وجد نفسه بدون جهد أو فعل ينزع ملابسه، خلع قميصه الدامي ثم بنطاله المهترئ وألقاهم بعيداً .. ثم فتح ذراعيه وهو عاري وقال : أنا وحدي ..

المصيدة

أمام بِناية متهالكة مُكونة من طابقين في مدينة ساحلية، تجمّع بعضٌ من الأهالي أمام بالوعة صرف، أنهمك جُزء منهم في العمل على حل مُشكلة أنسداد الصرف الذي أدى إلي طفح المخلفات، بينما أنخرط الجزء الباقي في نقاش حول تكاسل المسئولين وفساد المرافق.  ساء الوضع حتى أرتفعت المياه في مواسير المنزل إلى الطابق الأول. كان المنظر مُختلف خلف البناية. ظهر أمام قُرص القمر المُكتمل شبح لفأر ممتلئ، بالتحديد أمام فوهة ماسورة الصرف؛ بدا وكأنه يمارس بعض الإطالات كبطل أوليمبي يستعد لحصد الذهبية تحت عمر 18 عاماً، إتخذ وضعية القفز، ضم قدميه ورفع ذراعيه لأعلى مضمومتين، ثُم قفز .. سكن في الهواء للحظات ثُم أستسلم للجاذبية تماماً ليختفي بداخل الماسورة. كأنه أعتاد على ذلك .. ظل يهوي بداخل الماسورة حتى غاص في مياه الصرف الموازية للطابق الأول، غاص بعض الشيء حتى فتحة الصرف الخاصة بمقعد الحمام (الكابينيه) فقام بشقلبة بمرونة شديدة تغير إتجاه سباحته إلى داخل فتحة الصرف؛ مال مع منحنيات الفتحة حتى ظهر ضوء من أعلى المرحاض، تجاوز المنطقة الملساء بقفزة واحدة وتشبث بحافة الحلقة البلاستيكية أعلى مقعد الحمام، أشرأب قليلاً بر...

عبد الجبار خادم البار

صورة
في وسط مدينة مجهولة، وعلى أطراف ميدان، بهتت حروف أسمه، من على لوحة معلقة على تمثال في منتصف الميدان، لشخص - التمثال - يبدو عليه الصرامة، ويشير بسبابته نحو الشارع المنشود، بقيّت حانة قد نال منها الزمن. أقتعد عجوز وشاب - بينهما ما يكفي من الزجاجات الفارغة - أمام بار خشبي مرتفع؛ ربض به "عبد الجبار" خادم البار ذو الشارب الكثْ، يظهر منه النصف الأعلى وهو منهمك في ملئ الكئوس وتنظيف البار. سأل الشاب بعد أن استمع بهدوء إلى صوت خافت رخيم في الخلفية لأغنية قديمة : - هل تعتقد أن عبد الجبار موجود ؟ رد العجوز وهو مُثبت عينيه على عبد الجبار : - أعتقد أن سؤالك خطأ، أنت تسأل عن وجود شخص قد أفترضت وجوده في سؤالك. - وإن لم أفترض ذلك ؟ - إذاً عبد الجبار غير موجود. - هل أنت متيقّن مما تقول ؟! سكت العجوز لبرهة ثم قال : - لا، أنا أُرجح عدم وجوده. - كيف تقول بعدم وجوده، ثم بعد ذلك ترجح عدم وجوده؛ هل تلوي الكلمات حتى لا أصف قولك بالدوجمائية ؟ - لو أن قولي يُعتبر دوجمائية، لن يكون بقدر دوجمائية القول بوجود عبد الجبار. - وما الذي لا يجعله بنفس القدر ؟! - اعتمادي على أسباب منطقية. - وما ...

أصل الوعي الإنسانيْ

كما ذكرنا آنفاً في التدوينة السابقة "  معضلة القدر والإرادة الحرة  " أن إمكانية تلازم القدر والإرادة الحرة ممكنة، بدون تعارض؛ ويوجد العديد من السيناريوهات والتفسيرات الي تجمعهما معاً دون أن يلفظ أحدهما الآخر. وكان يجدر بنا في السابق، أن نسبق هذا التساؤل بآخر أعمق وأعقد، تساؤل قد يؤدي بنا إلى مفارقات سوف نستعرضها ونناقشها؛ هذا التساؤل هو: ماهو أصل الوعي الإنساني ؟! الوعي الإنساني هُنا المقصود به الإرادة الحرة، إمكانية الأختيار، الفطرة، التمييز بين الصواب والخطأ، ما نعتقد به ونريدة بكامل إرادتنا، ما يجعلنا كائنات عاقلة مدركة، هذه القوة الموجودة بتأثيرها وغائبة بماديتها، هذه القوة التي لا يمكننا الجزم بمكان وجودها أو كنهها حتى الآن، يمكننا تسميتها الروح أو النفس أو العقل، قد نختلف في المسميات لكننا نتفق في ماهيتها، أو ما تقوم به وتفعله، أو ما تجعلنا نفعله. هذا السؤال يدفعنا نحو طريقين أو إجابتين، أولهما: أن الوعي الإنساني خلقه الإله من العدم كسائر الموجودات بما في ذلك الزمن، وقبل الخلق كانت الروح ليس لها وجود، بالتالي أصل وجود الوعي الإنساني هو الإله ذاته، أعطاها الإله الإ...

معضلة القدر والإرادة الحرّة

استنكر الكثيرون مفهوم القدر، لما تبادر فيه من عدم منطقية، أو تسلسل غير سليم؛ خاصةً إذا وُضِع مفهوم الثواب والعقاب في الإعتبار.  لأن تطبيق الثواب والعقاب، يتطلب بالضرورة إلزامنا بمفهوم الإرادة الحرّة، والإرادة الحرة هنا تعني المسئولية الفردية وإمكانية الأختيار. لكن هذه الإرادة تتعارض بشكل صريح مع فكرة القدر، والقدر هنا المقصود به أن كل شيء قد كُتِبْ وعُرِفْ مسبقاً، أنك ليس في يدك شيء، هذه ليست أختياراتك، بل ذلك مكتوب؛ لذلك لو أن كل شيء مكتوب كيف سأحاسب على ما لم أختره ؟! كيف سأحاسب على خطا قُدِّر ليْ أن أرتكبه. يقول البعض أن هذا ظلم، ويقولون أيضاً أنه خطاً منطقي كبير الجمع بين القدر والإرادة الحرة التي تتطلب حساب (ثواب وعقاب). وقد دافع البعض وبسطوا النظريات والتفسيرات لسد هذه الثغرة، ومن أهم هذه النظريات هي أن الإله قد أعطانا الحرية كاملة، لكنه يمتلك ما يسمى بعلم الحصر ويفسرون معنى (علم الحصر) بمثال المعلم الذي يتنبأ أي التلميذين سينجح وأيهما سيرسب لأنه يعلم مدى أجتهادهما، ولكن نظرية علم الحصر هذه، لإثباتها ينبغي التأكيد على مفهومين آخرين؛ أولهما: هو أن علم الحصر أو التنبؤ ...

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

صورة
ملحوظة: إن لم تقرأ أو تشاهد سلسلة هاري بوتر أو أي أجزاء منها، لن تواجه صعوبه في الوصول للرسالة الموجودة داخل هذه التدوينة بل يمكن أن تحثك على قراءة السلسلة أو مشاهدتها أو كلاهما، لكنها قد تُفقدك حس التشويق لما ستفصح عنه من أحداث ، إذا كنت تخطط لقراءة السلسلة وأنت ممن لا يستطيعون الأستمتاع بمشهد مرتين فأنصحك ألا تستأنف القراءة، وربما تقرأ هذه التدوينة بعد قراءة السلسلة؛ أما إذا كنت لا تبالي وتستمتع متى شئت وأينما شئت إذن فاستمتع هنا وهناك.          سليذرين وجريفندور هما اسميْ منزلان، من أربعة منازل تكوِّن مدرسة هوجورتس للسحر، أنشأهما غودريك جريفندور وسالازار سليذرين، وسُميّا على أسميْهما، قبل أن تتصاعد الخلافات بينهما، ويتْرك سالازار المدرسة ويختفي؛ توارثت الأجيال هذا الخلاف، وأصبحت العداوة قائمة، بين كل من ينتمي لكلا المنزلين. رمز سليزرن وجريفندور قُسمت المنازل الأربعة، ونُسب إليها صفات مؤسسيها الأربعة، وأصبح إختيار الطلاب للألتحاق بكل منزل، يعتمد على صفاته أقرب لأي مؤسس؛  رمز جريفندور هو الأسد، وتتباين صفاته في الشجاعة والفروسية والجرأة؛ أما سليذرين ...

أنتِ أيضاً مُتواطِئة

صورة
عاصرنا العديد من النظريات التحليلية للمجتمع الإنساني عامة والشرقي خاصة، وكانت النظريات الي تستميل أنتباهنا، وتشرأب من أجلها أعناقنا، وتتسع أمامها مُقليتنا، و دائماً كانت تخص المرأه وتفاعلها مع المجتمع بين كرٍ وفر، بين حرية واسترقاق -مباشر أو غير مباشر- ، وقد أوشكت المرأه -بشكل رسمي- أن تنال حريتها في مجتمعنا، لكن على مستوى التطبيق، قد سُلبت الكثير مما أستحقت، ما وراء الكواليس وداخل العقول، في الحارات النائية والأماكن المظلمة من المجتمع، قد حاوطتها العقبات بشكل غير مباشر، عقبات الوعي والإدراك الفردي؛ هُملت كإنسان وأُستبيحت كجسد، وقد ناقشت -من وجهة نظري- أكبر الأسباب المؤدية لهذه الأستباحة والتي تتعلق بوعي المجتمع المشوه، وصورة المرآه المنقوصة داخل هذا الوعي، في المقالين الآتيين:   غُض عقلك إزدواجية الوعظ والإنحراف الجنسي ( المدينة الفاضلة )  لكن دائماً كانت المعادلة غير متزنة، هذا الوعي يستمد طاقته بصورة مباشرة من مصدر ثابت القوة ومتلون، هناك من يسمم الوعي الإنساني بهذه المعاني المشوهة - المراه جسد - ، أعتدنا التعامل مع أعراض المرض وتناسينا السبب، قطّعنا أرجل الأخطبوط ولم ...

النجار

في نهاية قاطرة المترو المكتظة، أقتعد الطفل ذو العوينات السميكة فخذي أبيه بعد أن أزاح حقيبة المعدات البرتقالية من أمام قدم الأب؛   وضع الأب بعض الأخشاب التي يحملها لتصلح كمقعد للطفل، فأستوى الطفل بعد عدة محاولات، ثم حاول عابثاً أن يخطف القلم العالق خلف أذن الأب،  فضحك الأب ضحكة حنونة، ثم أحاطه بذراعيه، وضمه إلى صدره، وقبله على هامته؛    لم يلبث الطفل شيئاً من الوقت حتى قفز من على فخذي أبيه، بعد أن بذل جهداً مضاعفاً ليتخلص من ذراعيه، ثم أخذ يتفقد المكان حوله؛  أبستم الأب أبتسامة ذات معنى، وبالرغم من شقاؤه الواضح وهيئته المتواضعة، بدا كرجل ثري المشاعر، مرفّه البال، لا يحمل همّاً ولا غمّاً، كأنه أمتلك العالم أجمع.

شجرة الميدان

صورة
كان عليه أن ينْتَظَر الحافلة في موقف الحافلات، الكائن على طرف ميدان صاخب؛ فأخذ يتأمل الباعة الجائلين ،والضجة التي يحدثونها؛ وبعضاً من المارة العابسين، وعدداً من السائقين يتشاتمون، وفشل في معرفة هل هم يتعاركون أم يلهون فقط ؟ ؛ كان الجو خانقاً مليء بعوادم السيارات والأتربة؛ ظل في مكانه حتى شعر بحركة خلفه، عجوز يمشي بهدوء حتى وقف عند شجرة صغيرة، ثم أخرج من حقيبته السوداء زجاجة مياه كبيرة، و شرع يسقي الشجرة بتأني وحلم، كان مائلاً بجذعه لأسفل، ناحية منبت الشجرة، ويرنو إليها بحب وحنان، كأنه يطمئن على صديق مريض، بدا أنه يتأكد أن كل نقطة ماء أستقرت في مكانها، كأم حنون تسقي طفلها وتتأمل ثناياه، فرغت الزجاجة فاستقام العجوز حتى لحظ الشاب يتابعه مبتسما، فحيّاه بأبتسامة وقال: - أتدري !! .. لم يهتم بها أحد وسط هذه الجلبة .. تعوّدت أن أزورها الخميس من كل أسبوع . سرح بعيناه لأعلى كأنما يفتش عن ذكرى ليست بقريبة جعلت عيناه حالمتان سالمتان كطفل وديع ثم أستأنف: - ليتك رأيتها عندما كانت ورقة صغيرة، كانت ضعيفة ورقيقة، لمحتها من مجلسي في الحافلة التي مرت بها غير مبالية، رأيتها تلوِّح لي، وسمعتها تناديني،...

الطفل ذو الحقيبة

تمزّع ظهر الطفل، معترضاً على الحقيبة الكبيرة، المحمولة على ظهره؛ فأنتصب بجسده، وفرد قامته الصغيرة متمطياً، مادّاً ذراعيه لأعلى، حتى مال أعلاه للخلف، وتقوس ظهره، و كادت الحقيبة تشده لأسفل، وتُسقطه على ظهره؛ ثم أعتدل بجسده، وحبك ذراعي الحقيبة على كتفه؛ لم يعط بالاً كيف سلبته حقيبته حرية الحركة واللهو، بالرغم من تقطيبه الواضح، حتى بدا أنه يستمد عبوسه من طبيعته الجافة، وليس من شقائه المعتاد؛ بدلا من ذلك، أنشغل فكره بأين ومتى سوف يلقي هذا الحمل عن كاهله، حتى حاوطته خفقات من ذكريات قريبة، ونفحات من سعادة مغلفة بالحرية، فأراحت المخيلات ظهره، وأودعته حالماً، بعد أن وشى ثغره عن شبح أبتسامه نضحت من قسماته الحادة .

فتى

فتى تتميز بدانته بالمرح؛ يعتصر مقبض دراجتة البخارية الصغيرة، الكائنة تحته؛ بدت وكأنها غير موجوده، حتى تتحقق من أجزائها الثائرة لأعلي وأسفل؛ تئن دعائمها عندما فاضت جنبات الفتى؛ أنزلق الفتى بين العربات، رغم بدانته، كبساط سحري يركب الريح؛ أصبحت المقاومة معدومة، وسبح في فراغ، يملؤه عقله ووجدانه؛ عندها، أعتقد أن كل شىء ممكن،  وليس هناك ما يوقفه؛ فتوحد مع هذه اللحظه، وأمست كأنها حياته كلها .

أزدواجية الوعظ والانحراف الجنسي (المدينة الفاضلة)

      لا يلبث الطفل/الطفلة أن يتم السابعة من عمره، حتى تنهال عليه شعارات الويل والثبور، المُعلنة والمخفية، المباشرة والغير مباشرة؛ من معلميه ووالديه والأقارب والأئمة والشيوخ وخطب الواعظين، عن موقفه تجاه المرأه (الطفله التي أعتبروها امرأه)، لا تقرب هذا، ولا تلمس ذاك، إفصلوا بينهم، في المنازل، في المدارس، وفي الشوارع .     ولا يلبث المراهق/المراهقة، أن يكسر حاجز الصمت، وأن يعبِّر عن مافي مكنونه من مشاعر بريئة مغلفة بالطاقة والأنطلاق، حتى يجرفه طوفان المحرمات، وصرخات المؤمنين المتنمقين الداعين المدّعين، الحرام حراماً، والحلال حلال، أطلبه بالحلال أسلم وأنقى وأطهر، أطلبه حلالاً تفز بالدنيا والآخرة .        ولا يفتأ المراهق أن يصير رجلاً، إلا وقد خاض الطريق المحرم، بكل أنواعه، تحت شوارع وطرقات المدينه الفاضلة، تحت ظلال الوعّاظين والمتفقهين والصارخين، حتى تظل المدينة الفاضلة، فاضلة، والأنفاق تحمل مخلفاتها، ومن أتق أنفاقها، عاش متهماً بالعربدة في طرقاتها وتحت شمسها .    وكأنمــا الرجل لم يكن مراهقاً، فقد نسي ماضيه، وأتخذ ...

ساعة

ساعة كاملة تُحاط بغلاف زجاجي، كإحدى المعروضات الغالية، أو كلاعبة جمباز تبتسم وتتصنع الرقة مع التناقض الواضح في جسدها الخالي من الأنوثة وحركاتها القوية العنيفة، لن تنبث بكلمة حتى لا ينكسر غلافك الزجاجي وينخفض سعرك في مزاد "المشروع". تنظر .. تترقب .. تلاحظ .. تضىء عيناك بلمعة الشفقة، والحرمان، تفرغ فاك وتخرج لسانك لاهثا من أجل صفقة رابحة، حقيبة مملوءة بالتعب النفسي والإرهاق الجسدي في مقابل حقيبة تحمل ورقة واحده مكتوب عليها "أمتياز". نعم يا بني لقد أبليت بلاءً حسناً؛ لكن ليس هناك مانع من أن أعتصر قلبك في يدي قليلاً، وأن أمسح وجهك في مقدمة حذائي، المتسخ دائماً بأشلاء أصدقائك، وإلا فلماذا أنا جئت، هذا هو أكلي وشرابي وملاذي، ببساطة هذه هي شهوتي والمحرك الأساسي لبقائي.   "خبايا الكلام في فن الأفحام" .. ياسلام .. يا سلام .. هذا هو عنوان مجلدي الجديد، لن تجده أقل مللا من محاضراتي لكنك ستبتاعه، وتثني عليه كعادتك، وإلا سأحكم القبض على قلبك الصغير أكثر حتى تقضي الليلالي تستجدي مقدمة حذائي. سأعلق أعصابك أوتاراً على جيتاري وستسمع صوت عذابك العذب طوال الساعة، حتى أه...

المستشفى

- فاضل قد إيه تقريباً ؟ - قدامك ستة أشخاص وحضرتك هتخش بعدهم. - طب أنا هخرج شوية وهرجع بعد نص ساعة. - تمام، بس ياريت حضرتك متتأخرش عشان الدور ميفوتكش. - مش هتأخر. خرج من المستشفى، حاملا حقيبته على ظهره، باحثاً عن مقهى قريب، ليلتقط أنفاسه قليلاً، بدلاً من الجلوس في المستشفى، التي طالما بعثت فيه شعور بالمرض والكآبه؛ خرج من باب المستشفى، ثُم أنحنى يساراً بعد أن تخطى المبنى المجاور، لمح بطرف عينه رجل وامرأه يتجادلان عند ناصية الشارع، بينما تتبع خطوات رجل يحمل صينية عليها كوبين من الماء وكوب فارغ تبين أثر ما تبقى فيه من القهوة، تقفى أثره عسى أن يرشده للمقهى الذي يعمل به؛ عندما دلف الرجل من باب محل صغير، علم أن هذا المقهى غير مخصص لأستقبال الزبائن، لصغر حجمه،وإنما خُصص لتوصيل المشاريب للمحلات المجاورة، أستسلم بعد أن سأل نفسه: ((هل كوب من القهوة يستحق كل هذا العناء ؟!))؛ أستدار عائداً، مشى خطوتين، ثم تذكر رائحة المستشفى، فرجع عن قراره، أستدار مرة أخرى، عبر الشارع للناحية المقابلة، ثم عكف يسأل أصحاب المحلات عن المقهى القريب، حتى دله على مضض صاحب محل ملابس ملتحي: ((قدام على إيدك الشمال))،...