أصل الوعي الإنسانيْ

كما ذكرنا آنفاً في التدوينة السابقة " معضلة القدر والإرادة الحرة " أن إمكانية تلازم القدر والإرادة الحرة ممكنة، بدون تعارض؛ ويوجد العديد من السيناريوهات والتفسيرات الي تجمعهما معاً دون أن يلفظ أحدهما الآخر.

وكان يجدر بنا في السابق، أن نسبق هذا التساؤل بآخر أعمق وأعقد، تساؤل قد يؤدي بنا إلى مفارقات سوف نستعرضها ونناقشها؛ هذا التساؤل هو: ماهو أصل الوعي الإنساني ؟!
الوعي الإنساني هُنا المقصود به الإرادة الحرة، إمكانية الأختيار، الفطرة، التمييز بين الصواب والخطأ، ما نعتقد به ونريدة بكامل إرادتنا، ما يجعلنا كائنات عاقلة مدركة، هذه القوة الموجودة بتأثيرها وغائبة بماديتها، هذه القوة التي لا يمكننا الجزم بمكان وجودها أو كنهها حتى الآن، يمكننا تسميتها الروح أو النفس أو العقل، قد نختلف في المسميات لكننا نتفق في ماهيتها، أو ما تقوم به وتفعله، أو ما تجعلنا نفعله.

هذا السؤال يدفعنا نحو طريقين أو إجابتين، أولهما: أن الوعي الإنساني خلقه الإله من العدم كسائر الموجودات بما في ذلك الزمن، وقبل الخلق كانت الروح ليس لها وجود، بالتالي أصل وجود الوعي الإنساني هو الإله ذاته، أعطاها الإله الإرادة وأعطاها أصل كل أختيار، بل شكّل الإله هذه النفس ووهبها ذاتها سواءً كانت خيّرة أم شريرة، أعطاها اسبابها التي تُفضي إلى أختيار أي شيء، أعطاها صبغتها وما يميزها، جعلها ما هي عليه، هذا يعني أن مصدر الخير والشر هو الإله على السواء، وهذه الإجابة تدعم مفهوم الإله الذي من صفاته خلق الأشياء كلها وأنه سابق لكل شيء، لكن كيف يتسنى للإله محاسبة شيء قد صاغه واعطاه أسباب خيره وشره وهذه مفارقة، لكنها تُفضي بشكل منطقي إلى الإجابة الثانية : أن الوعي الإنساني -أو النفس- أزلية الوجود، وجودها منفصل عن الإله، أصل الشر أو الخير بها لم يتدخل في صنعه الإله، كانت أزلية حتى قبل الوجود، كانت موجودة في العدم، موجودة كقوة غير فاعلة غير مدركة كأنعكاس الصورة في المرآه أو كالظل الناتج من أنحسار الضوء، فالظلام ليس موجوداً بالفعل ولكنه يستمد وجوده من إنعدام النور، وأعطاها الإله القوة الفاعلة وأخرجها من ظلمات العدم إلى نور الوجود ، وأعطاها إمكانية التعبير عن ما في مكنونها، وهذه الإجابة تدعم مفهوم الحساب "الثواب والعقاب" لكنها تُجرد الإله من صفة الأولية وخلق الأشياء كلها، لأن أزلية النفس حتى وإن كانت في العدم تُعد وجوداً وهذه مفارقة أيضاً، فكيف تكون النفس أزلية والإله هو الأول ؟!

والتفسير الوحيد الذي يحل هذه المفارقة، هو الجمع بين صفات الأزلية والخلق وما يترتب عليهما من نتائج منطقية، فالنفس خلقها الإله من العدم، ولكنه بقدرته اللامتناهية أعطاها مالا نعجز عن فهمه وهو صفة الأزلية والتفرد عن الإله فأصبحت منفصلة عنه وتحمل وعيها وإدراكها المستقل، فالنفس تستمد قوتها من الإله لكنها مستقلة عنه.

ولا يُعد هذا تفسيراً منطقيا من حيث التسلسل السليم، بل هو قفزة إيمانية لا تحتمل تفسير أو تحليل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

الله الفكْرة