العاهرة التي صرفت العفريت
![]() |
| رسم: محمد فخراني |
لحينٍ من الوقتْ لم تعرف أين هي ؟! .. كم لبِثت ؟! .. يغمرها شعور بالتيه ووِحدة موحشة، يفيض جسدها المنهك بعرق مُضْجِر، تقتحم رائحته صَدرها المكشوف، من خلال ردائها الأحمر القصير؛ ظِلال شعرها الأحمر تجعل الرؤية ضبابية؛ شعرت ببرودة المعدن على معصميها فشهقت؛ جذبت يديها فلم تستطع .. هي مكبلة إذاً.
أصوات حركة بدأت تنمو من حولها، كلمات من دون صوت، عبارات بلا معنى، أصوات حادة وسريعة تأتي من كل صوب، لكن داخل عقلها فقط؛ شعرت بدفعة من دون يد، ثم توالت الدفعات من كل ناحية، تعثرت فسقطت على وجهها، احكمت يد على شعرها وجذبتها للخلف فكادت أن تقتلعه، أطلقت صرخة مكتومة، حتى تبينت ما حولها.
سماء غير موجودة، وأرض غير ممدودة، تطفو فوقها بركبتين داميتين، تشعر بحواف صخور غير مرئية، ليس هناك أفق، ولكنه ضيق كتابوت مغلق، آلواناً باهته، نجوم تلمع ثم فضاءٌ مُصمت، فراغ لا متناهي، ثم جمود، كأنها داخل مكعب ضخم من الثلج، لا نهار ولا ليل، جف حلقها وتجمد الدم في أوصالها، وبقيت فاغره ثغرها، وعيناها مثبتتان بلا حراك.
كيانات تطفو من حولها في عشوائية موحشة، ألسنة من لهب تهيج ثم تخمد، عيون مخيفة تتفتح ثم تختفي، أصوات سياط تصم أذنيها، ظلّت الكيانات في حالة هياج، حتى عم الأرجاء ضباب رمادي يوحي بالرهبة، عم الصمت المحيط، إلا من صوت إرتعادها، وشهقاتها المتتابعة حتى كاد قلبها يتمزق، سجدت الكيانات في خوف نحو الضباب، الذي كلما كاد أن يتشكل، انفجر بشدة في الأنحاء مخلفاً برودة الموت، ظل هذا الإستعراض المُرعب حتى هدأ الضباب، وانطلق صوت غليظ آمر من مركز الضباب: طهروها ..
انفجرت الكيانات صارخة بجنون ونهم: طهروها .. طهروها ..
حتى خرج من بينهم شبح أسود يمتطي حصان أسود عيناه جمرتان متوهجتان، هدأت الكيانات، بدا وكأن الشبح والحصان شيئاً واحداً حتى ترجل الشبح عن حصانه، وركع على ركبته نحو الضباب الرمادي وقال: سيدي ..
وكأنه اخذ موافقة الكيان الأكبر خِفية، انتفض الشبح قبل أن يخرج سوطه، مشى متباهياً جيئاً وذهاباً، وظل يداعب سوطه كأنه حية ترقص، ثم بضربة واحدة فلق ردائها إلى نصفين، أطلقت صرخة تمزق الأوصال حتى شعرت أن ظهرها إنقسم إلى نصفين، هللت الكيانات .. رفعت جزعها وهي جاثية على ركبتيها فانساب ردائها مخلفاً جرح عميق لم تتبين أهو بجسدها أم بروحها.
ركع الشبح الأسود نحو الضباب وقال: سيدي .. ثم أختفى داخل الصفوف قبل أن يتبعه حصانه ..
انطلق الصوت الغليظ مرة أخرى: طهروها
صرخت الكيانات: طهروها .. طهروها ..
ظهرت عيون ليس لها عدد، كبيرة وصغيرة حاوطتها من كل جانب وحدقت بها بوقاحة، شعرت برغبة في الهروب، تلفتت لتهرب من نظرة العيون القاسية، فوجدتها في كل ناحية وصوب حتى أعلاها وأسفلها، شعرت بالنظرات تتخلل جسدها وتلهب روحها، سمعت صوت النظرات وهي تقول: عاهرة .. عاهرة .. لم تعد تحتمل فانتابتها حالة هياج وظلت تصرخ وتصارع محاولة لفك قيدها، فما كان إلا أن أشتد القيد على معصميها، حتى كاد يكسرهما، إنهارت على وجهها يائسة وقد غمرها العار والخذي.
- طهروها
- طهروها .. طهروها ..
ظهر باب حديدي قاسي أمامها، وقبل أن تتسائل: ما هذا ؟! تمخض عنه باب آخر أشد قسوة، وأخذت الأبواب تتناسخ مصدرة أصوات حديدية، وحاوطتها بإحكام حتى تخللت رائحة المعدن أحشائها، شعرت براحة مشوبة لبعض الوقت، حتى انتابها شعور شديد بالوحدة والكآبة، شئ ثقيل بدأ في الإنسياب داخلها فسيطر عليها إحساس بأنها ستظل وحيدة للأبد، تزايد الشعور حتى شعرت أن مصيرها الجنون، تمنت العيون الحارقة أو السياط فضلاً عن هذه الأبواب اللعينة؛ أصابها التيه حتى كادت ألّا تعي ذاتها، مضى بعض الوقت بدا لها كألف سنة، اختفت الأبواب وقد سلبتها كل ذرة سعادة بداخلها، تركتها جثة هامدة وروح ذابلة.
تعكّر الضباب الرمادي ثم تشكّل كعامود يشق السماء والأرض لا ترى نهايته أو بدايته، نظر لها بدون عين، فشعرت بجسدها يحترق، اشتد إحتراق جسدها حتى بدا كأنه يتفحم، لم تعد تقوى على الصراخ، تهاوى رأسها بين كتفيها في استسلام.
بزخ من العدم صوت ثقيل إنساب داخلها كرائحة نتنة: لا تريدين التطهر إذاً .. صمت حاد وكئيب كأنه أهدر دهراً .. نسمات ثقيلة تسبق العاصفة .. صرخ كالرعد: ماذا تريدين إذاً ؟! .. تزلزل الأفق، تبعثرت الكائنات فوق بعضها محاولة الأختباء .. تابع وقد إنشق الفضاء لغضبه: أتريدين العار .. الألم .. الوحدة .. أم تظنين أن الإرتماء في أحضان الرجال حباً كما تدعين .. أين فلسفتك الآن ؟ .. أين الحب ؟ .. المغامرة .. التجربة .. لا يوجد قوانين ها ؟ .. الإباحة .. لماذا دائما غير راضية ؟ .. دائما تخرجين عن القواعد .. أتريدين العذاب ؟! .. ألا ترين أن عذابي غير محدود ؟! سأجعلك تتمنين الموت .. بل ستتمنين الجحيم.
تراها الآن وقد أصبحت عارية، منكسة الرأس، يغطيها الدماء، تكاد تشعر بأنها بلا روح، حتى لاحت من ثغرها شبه ابتسامة ساخرة، ابتسامة شخص قد ارتطم بالقاع، وقد أدرك بالفعل أنه وحده؛ توهج كامل جسدها بهالة ذهبية، بدت وكأن لها جناحين من نور، رفعت رأسها وقد تألقت عيناها الشفافتان، ثم قالت: هل انت سعيد ؟ ..
تجمدت الكائنات جميعا حتى الكائن الأكبر وقد أصابهم الإرتباك والرهبة، نهضت منتصبة، لمست الأصفاد فذابت،
ثم صرخت: هل طُهري .. هل عذابي .. يجعلك بلا خطيئة ؟! ..
تجمدت الكائنات جميعا حتى الكائن الأكبر وقد أصابهم الإرتباك والرهبة، نهضت منتصبة، لمست الأصفاد فذابت،
ثم صرخت: هل طُهري .. هل عذابي .. يجعلك بلا خطيئة ؟! ..
أصاب الكائنات الهلع، توالت الصرخات حتى غطى الأرجاء صرخة الكائن الأكبر وقد إنحدر صوته بعيداً، أضمحل الضباب شيئاً فشيئاً، الكائنات تختفي في الهواء، حتى اختفى الكائن الأكبر ..
كأن شيئاً لم يكن ..
كأن شيئاً لم يكن ..

تعليقات
إرسال تعليق