المستشفى

- فاضل قد إيه تقريباً ؟
- قدامك ستة أشخاص وحضرتك هتخش بعدهم.
- طب أنا هخرج شوية وهرجع بعد نص ساعة.
- تمام، بس ياريت حضرتك متتأخرش عشان الدور ميفوتكش.
- مش هتأخر.

خرج من المستشفى، حاملا حقيبته على ظهره، باحثاً عن مقهى قريب، ليلتقط أنفاسه قليلاً، بدلاً من الجلوس في المستشفى، التي طالما بعثت فيه شعور بالمرض والكآبه؛ خرج من باب المستشفى، ثُم أنحنى يساراً بعد أن تخطى المبنى المجاور، لمح بطرف عينه رجل وامرأه يتجادلان عند ناصية الشارع، بينما تتبع خطوات رجل يحمل صينية عليها كوبين من الماء وكوب فارغ تبين أثر ما تبقى فيه من القهوة، تقفى أثره عسى أن يرشده للمقهى الذي يعمل به؛ عندما دلف الرجل من باب محل صغير، علم أن هذا المقهى غير مخصص لأستقبال الزبائن، لصغر حجمه،وإنما خُصص لتوصيل المشاريب للمحلات المجاورة، أستسلم بعد أن سأل نفسه: ((هل كوب من القهوة يستحق كل هذا العناء ؟!))؛ أستدار عائداً، مشى خطوتين، ثم تذكر رائحة المستشفى، فرجع عن قراره، أستدار مرة أخرى، عبر الشارع للناحية المقابلة، ثم عكف يسأل أصحاب المحلات عن المقهى القريب، حتى دله على مضض صاحب محل ملابس ملتحي: ((قدام على إيدك الشمال))، مضى حيث وصف له الملتحي، حتى وجد مقهى متوسط الحجم، أفترش مقاعده وطقاطيقه خارجه على الرصيف المبلط، حيث صُفت المقاعد البلاستيكية جنباً إلى جنب في أتجاه الشارع، وأستندت على حائط المقهى نفسه الذي يتخلله شباك كبير مفتوح؛ فاضل بين الجلوس داخل المقهى أو خارجه، وأختار الجلوس في الخارج بين رجل أربعيني يرتدي زي أمن، وشاب في أواخر العشرينيات، يلبس نظارة سوداء يتتبع من وراءها مؤخرات الفتيات، بينما يزفر في أرجيلة زجاجية ويشرب الشاي، لم يلبث أن أستوى في مقعده بعد أن وضع حقيبته على المقعد المجاور، حتى جاءه النادل، طلب قهوة فرنسية، ثم شرع يتأمل في اللا شىء، بضع دقائق وأحضر النادل القهوة، رشف منها فوجدها سيئة وباردة، رشف رشفتين ثم جرع ما تبقى منها على مرة واحدة، لم يلبث أن أنتهى من قهوته حتى شق عباب الأصوات المعتاده للبائعين والسيارات، صوت أغنية صادرة من مكبر صوت بعيد، وكان باديا للمستمع أنه يقترب، لم يتبين في باديء الأمر كلمات الأغنية، حتى أقتربت سيارة حديثة تحمل على ظهرها سماعات وتمتلىء جوانبها بملصقات لمرشح رئاسي، وصدحت الأغنية في الفضاء، أغنية لصاحب صوت طربي تقول: ((خدت إيه مصر بسكوتك، متستخسرش فيها صوتك، بتكتب بكرة بشروطك، ديه بشرة خير))، أستحال الشارع منظراً حيوياً بهيجاً بعد أن كان رتيباً مملاً، وشرع البائعون يرقصون على أنغامها، وتهادت السيارة حتى بدت كأنها واقفة في مكانها، عندما رفع أحد الباعة الشمسية التي يستظل بها، وظل يلفها على طريقة ( دقوا الشماسي)، وأكتفى البعض بالتصفيق فقط.
ظهرت على وجهه أبتسامة ساخرة، عندما رأى الرجل الأربعيني رُسمت على شفتيه نفس الأبتسامة، تبين وجه الأربعيني جيداً عندما تلاقت الأبتسامتان المتزامنتان، كان أسمر اللون، خف شعره من جانبي رأسه حتى أنعدم عند المنتصف، خلا وجهة من التجاعيد عدا جانبي فمه وعينيه، رمقه الرجل الأربعيني بعينين سوداوين واسعتين، ثم أماء بيده بحركة دلت على الأستنكار، وهو يحرك شفتيه قائلاً:((خمسة وعشرين أتمسحت بأستيكة، شعب مش بيفكر غير في السطحيات فقط، لكن تبص في المضمون مفيش، والمشكلة أنو بيصورلك إن كل الشعب في أتجاه واحد، الى هو ده - وأشار في أتجاه السيارة - لو عربيه زي ديه نزلت حلوان أو المطرية هتشوف هيحصل فيها إيه، تسعة وتسعين في المية من الشباب مخنوق ومش راضي بالي بيحصل ده، بس الشعب الجاهل فالح يرقص ويصقف)).
كانت هذه  آخر كلماته قبل أن يمص سيجارته حتى أنهاها ورشف آخر رشفة من الشاي، وأماء بحركة بيدة كأنما يريد أن يقول: ((السكوت أفضل، لن يؤتي الكلام بثماره))، ودفع حسابه ومضى.
جرع كوب الماء الذي أمامه على مرتين، ثم أخذ يلتقط نفسه حتى يستجمع ما قاله الأربعيني، فتح حقيبته وأخرج منها مذكرته وخط بها: (( خرجت من المستشفى، باحثاً عن مقهى قريب، لألتقط أنفاسي قليلاً.......................لم أدري هل كان الرجل يتحدث إليّ أم كان يعبر عن ما أختلج به صدره ؟ ، لحظات مرت وقد شعرت أنه لا يراني وأنه يشكو إلى أشخاص غير مرئيه، لا يهم فقد مضى الرجل ومضيت أنا بعده)).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

الله الفكْرة