أزدواجية الوعظ والانحراف الجنسي (المدينة الفاضلة)

      لا يلبث الطفل/الطفلة أن يتم السابعة من عمره، حتى تنهال عليه شعارات الويل والثبور، المُعلنة والمخفية، المباشرة والغير مباشرة؛ من معلميه ووالديه والأقارب والأئمة والشيوخ وخطب الواعظين، عن موقفه تجاه المرأه (الطفله التي أعتبروها امرأه)، لا تقرب هذا، ولا تلمس ذاك، إفصلوا بينهم، في المنازل، في المدارس، وفي الشوارع .

    ولا يلبث المراهق/المراهقة، أن يكسر حاجز الصمت، وأن يعبِّر عن مافي مكنونه من مشاعر بريئة مغلفة بالطاقة والأنطلاق، حتى يجرفه طوفان المحرمات، وصرخات المؤمنين المتنمقين الداعين المدّعين، الحرام حراماً، والحلال حلال، أطلبه بالحلال أسلم وأنقى وأطهر، أطلبه حلالاً تفز بالدنيا والآخرة .
  
   ولا يفتأ المراهق أن يصير رجلاً، إلا وقد خاض الطريق المحرم، بكل أنواعه، تحت شوارع وطرقات المدينه الفاضلة، تحت ظلال الوعّاظين والمتفقهين والصارخين، حتى تظل المدينة الفاضلة، فاضلة، والأنفاق تحمل مخلفاتها، ومن أتق أنفاقها، عاش متهماً بالعربدة في طرقاتها وتحت شمسها .

   وكأنمــا الرجل لم يكن مراهقاً، فقد نسي ماضيه، وأتخذ له وجهين، وجه المتقِ في الطرقات، والعربيد في الأنفاق، حتى استدل المتقين على تقواه، وخطا المعربدين خطاه، وجلس بين يدي الواعظ كعربيد خاشع، ونام في أحضان العاهرات كخاشع عربيد، فقد أستراح للأزدواج، فلا يؤنبه ضميره عند الموعظة، ولا تؤنبة شهوته بين فخذي الدنيا. وأصبح الرجل جندي من جنود المدينة، فاستل سيفه في الطرقات، يقرع الأبواب والرؤوس والكؤس، يقذف الويلات في وجه كل منحل، حتى وجد مراهق يتخبط الطرقات حائراً بين الشهوات، خائفاً ويل المحرمات، فتأبطه كأب حنون، ونصحه: (الحرام حراماً، والحلال حلال، أطلبه بالحلال أسلم وأنقى وأطهر، أطلبه بالحلال تفز بالدنيا والآخرة) . وهكذا استمرت المدينة الفاضلة .

    دأب وعَّاظنا على تحبيذ الحجاب(ا) وحجر المرأه، فنشأ من ذلك عادة الانحراف الجنسي في الرجل والمرأه معاً، فالإنسان ميال بطبيعته نحو المرأه، والمرأه كذلك مياله نحو الرجل . فإذا منعنا هذه الطبيعة من الوصول إلى هدفها بالطريق المستقيم لجأت اضطراراً إلى السعي نحوه في طريق منحرف .  فكل الممنوع مرغوب .

   وقد دلت القرائن على أن المجتمع الذي يشتد فيه حجاب المرأه يكثر فيه، في نفس الوقت، الانحراف الجنسي من لواط وسحاق وما شابه .

   ظن وعّاظنا أنهم يستطيعون أن يمنعوا الانحراف الجنسي بواسطة الكلام والنصيحة وحدها، غير داريين بأن الانحراف طبيعة اجتماعية لا بد من ظهورها في كل بلد يحجب فيه النساء عن الرجال .

  وقد أثبتت الوقائع التاريخية، على أن المستفيد الوحيد من هذه الأزدواجية، هم الحكام والأغنياء، وأصحاب السلطة، في ذلك الوقت، وقد ساعدهم، وأيدهم في ذلك، في مقابل المصالح المادية، والنجاة في الدنيـا، والمكانـة الأجتماعيــة بجانب الحاكم،       الوعّاظ أنفسهم .

  كان عند هارون الرشيد ألفان من الجواري، وقد أختص ثلاثمائة منهن بالغناء والطرب. ويقال إنه طرب ذات يوم فنثر ستة ملايين درهم على الحضور، وطرب يوماً آخر  فعيّن المغني الذي أطربه والياً على مصر .

   كما يروى أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يتنزه ذات يوم في بادية فسمع صوتأ يغني من بعيد وكان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة منه إذ اعتبره خطراً على عفاف النساء وسبباً من اسباب إغرائهن وإفسادهن، فأمر بخصاء المغني، وقد خصي المسكين فعلاً .

  وذُكر أن المتوكل، كان يملك في قصوره أربع آلاف جارية وطئهن جميعاً .

  فكان الأمراء والأغنياء في تلك الأيام يُكثرون من شراء الجواري ويملئون    قصورهم بهن . وكان صاحب الجواري يحرص على عفافهن، فكان يبني الأسوار ويشتد في حراستهن، حتى لا يخطف فقير منهن نظرة .

  وطمعاً في مزيداً من السلطة، وتملقاً في الحاكم، كان الواعظ يشتد على الفقراء ويلعنهم ويرميهم بالويلات وغضب الله، ويؤيدون الحكام على إحكامهم الحجب على جواريهم ومراقبتهم، بل إزدادوا ونشروا الحجاب في المجتمع الأسلامي وأيدوه بالأدلة النقلية والعقلية، ولعلهم بذلك أرادوا أن ينذروا الفقراء والعامة من أستراق النظر لما وراء الأسوار من بيض حسان، وتأيداً للحاكم طمعاً في التقرب وسعياً المال وانغماساً في الدنيا، وظلوا ينهرون هذا الفقير المسكين الذي يسترق النظر إلى جارية من الجواري، ويهنئون الأغنياء بما أشترى من جواري من السوق بحر ماله، كأن الفرق بين الحرام والحلال عندهم هو الفرق بين وجود المال من عدمه، وهذا صحيح لأنهم كانوا وما زالوا، يتلقون قوتهم، من صاحب الجواري .
   فقد أختارت المدينة الفاضلة نظاماً لتبقى. لترعى حكامها وتغلفهم بالرفاهية وتغمسهم في الدنيا، وأصبح الرعاه وقوداً لأستمرار المدينة، والوعّاظ أصبحوا الطاهون.




- هذه التدوينة مستوحى ومقتبس بعض فقراته من كتاب (وعاظ السلاطين) - د.علي الوردي .
----------------------------------------------------------------------------------
 (ا) الحجاب المراد به في هذا المقال، هو الحجب والمنع والتغطية، وليس حجاب المرأه الذي يُلبس على الرأس.

المصادر:
- وعالظ السلاطين - د.علي الوردي
- history of Arabs - hitti
- التمدن الأسلامي - جرحي زيدان
- أحمد أمين - هارون الرشيد 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

الله الفكْرة