عبد الجبار خادم البار


في وسط مدينة مجهولة، وعلى أطراف ميدان، بهتت حروف أسمه، من على لوحة معلقة على تمثال في منتصف الميدان، لشخص - التمثال - يبدو عليه الصرامة، ويشير بسبابته نحو الشارع المنشود، بقيّت حانة قد نال منها الزمن. أقتعد عجوز وشاب - بينهما ما يكفي من الزجاجات الفارغة - أمام بار خشبي مرتفع؛ ربض به "عبد الجبار" خادم البار ذو الشارب الكثْ، يظهر منه النصف الأعلى وهو منهمك في ملئ الكئوس وتنظيف البار.


سأل الشاب بعد أن استمع بهدوء إلى صوت خافت رخيم في الخلفية لأغنية قديمة :
- هل تعتقد أن عبد الجبار موجود ؟
رد العجوز وهو مُثبت عينيه على عبد الجبار :
- أعتقد أن سؤالك خطأ، أنت تسأل عن وجود شخص قد أفترضت وجوده في سؤالك.
- وإن لم أفترض ذلك ؟
- إذاً عبد الجبار غير موجود.
- هل أنت متيقّن مما تقول ؟!
سكت العجوز لبرهة ثم قال :
- لا، أنا أُرجح عدم وجوده.
- كيف تقول بعدم وجوده، ثم بعد ذلك ترجح عدم وجوده؛ هل تلوي الكلمات حتى لا أصف قولك بالدوجمائية ؟
- لو أن قولي يُعتبر دوجمائية، لن يكون بقدر دوجمائية القول بوجود عبد الجبار.
- وما الذي لا يجعله بنفس القدر ؟!
- اعتمادي على أسباب منطقية.
- وما هي هذه الأسباب ؟
- أسباب ذاتية عن تجربة شخصية، وليست موضوعاً للنقاش.
- أنا أيضاً أملك أسباباً ذاتية عن وجود عبد الجبار، لما تَعْتَبِر أسبابك منطقية دون أسبابي ؟!
- لأن أسبابك في قرارة نفسك هي أنك تحتاج عبد الجبار، ولا تتخيل حياتك بدونه، لذلك لا تنظر للأمر بموضوعية.
- ألا تؤمن بخادم لكل بار ؟! ألا تؤمن بوجود عبد الجبار في كل مكان يؤمن لك كأسك ؟!
- أنا لا أراه كخادم، أراه كمعنى للسعادة والتضحية والعطاء، أنا لا أؤمن بوجود عبد الجبار ليقدم لي مشروبي ثُم يُحاسبني عندما أنتهي، لا أؤمن بعبد الجبار كوجود مُطلق منفصل عنّا، نحن نحمل عبد الجبار بداخلنا، لولا مجيئنا إلى البارات لما كان عبد الجبار، لما لا تفهم أنك وعبد الجبار والبار شئ واحد لا يتجزأ ؟ ..
صمت الشاب للحظات، جرع من ما تبقى من زجاجته، ثم وضعها بصرامة على البار أمامه، مسح فمه بكم قميصه، ونظر أمامه وقال: عبد الجبار موجود .. 
ابتسم العجوز قبل أن يستأنف الشاب وهو يهز رأسه متمماً: موجود موجود ..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

الله الفكْرة