المصيدة

أمام بِناية متهالكة مُكونة من طابقين في مدينة ساحلية، تجمّع بعضٌ من الأهالي أمام بالوعة صرف، أنهمك جُزء منهم في العمل على حل مُشكلة أنسداد الصرف الذي أدى إلي طفح المخلفات، بينما أنخرط الجزء الباقي في نقاش حول تكاسل المسئولين وفساد المرافق. ساء الوضع حتى أرتفعت المياه في مواسير المنزل إلى الطابق الأول.

كان المنظر مُختلف خلف البناية. ظهر أمام قُرص القمر المُكتمل شبح لفأر ممتلئ، بالتحديد أمام فوهة ماسورة الصرف؛ بدا وكأنه يمارس بعض الإطالات كبطل أوليمبي يستعد لحصد الذهبية تحت عمر 18 عاماً، إتخذ وضعية القفز، ضم قدميه ورفع ذراعيه لأعلى مضمومتين، ثُم قفز .. سكن في الهواء للحظات ثُم أستسلم للجاذبية تماماً ليختفي بداخل الماسورة. كأنه أعتاد على ذلك .. ظل يهوي بداخل الماسورة حتى غاص في مياه الصرف الموازية للطابق الأول، غاص بعض الشيء حتى فتحة الصرف الخاصة بمقعد الحمام (الكابينيه) فقام بشقلبة بمرونة شديدة تغير إتجاه سباحته إلى داخل فتحة الصرف؛ مال مع منحنيات الفتحة حتى ظهر ضوء من أعلى المرحاض، تجاوز المنطقة الملساء بقفزة واحدة وتشبث بحافة الحلقة البلاستيكية أعلى مقعد الحمام، أشرأب قليلاً برأسه ونظر ناحية باب الحمام وفغر فاه ..

بينما أنخرط الأهالي أمام البناية في المناقشات والعمل، ربض رجل أربعيني في شرفة الطابق الأول يلاحظهم بلا أهتمام، شعر بالملل، ترك الشرفة ودخل إلى غرفة معيشة متواضعة يتوسطها تلفاز حديث عالى الصوت، جلس على كرسي ضخم امام التلفاز يتابعه بنظر ثابت، يمكنك الآن أن ترى بشرته السمراء في ضوء الغرفة وكرشه البارز الذي برز أكثر إثر جلوسه؛ نظر نظرة جانبية على إبنته ذات الثلاث أعوام عندما نادت أمها لتبلغها بلغة الأطفال برغبتها في أستخدام المرحاض، نظرت الأم إلى الأب نظرة متسائلة، فطمئنها بهزه من رأسه وأضاف: لا تقلقي، لقد سددت البالوعة بالأقمشة والأكياس البلاستيكية وسوف تصمد أمام المياه المتصاعدة حتى نجد حل لهذه المشكلة، فقط لا تستخدمي المياه ولا تتخلصي من الفضلات ..
أجابت الأم : سوف أفعل ..
أصطحبت الأم الطفلة، ولجوا من باب المرحاض، وفجأه ظهر رأس فأر من مقعد الحمام، صرخت الأم والطفلة معاً : فأر !!!

سمع الأب صرخة فأنتفض من مكانه قبل أن تهرول الأم والطفلة خارج الحمام وهم يصرخون : أنجدنا .. فأر كبير ؛ سحب الأب عصا ممسحة، دخل المرحاض، أغلق الباب وراءه، بحث عن الفأر في كل مكان لم يجده، فعلم أنه غاص مرة أخرى في المرحاض، أطمأن قلبه عدة ساعات، حتى شوهد الفأر في مواضع مختلفة في المطبخ والحمام وأحيانا في الممر بينهما وفي كل مرة يشعر الفأر بحركة أحدهم يجري بخفة ويقفز بداخل المرحاض، أنهارت الأم والطفلة رفضوا النوم ودخول المرحاض، توقف البيت تماماً عن حركته المعهودة، أصابه الذعر، فكر الأب ووصل لأستنتاج أخبره للأم : يجب أن ترحلوا عدة أيام حتى نستطيع حل مشكلة الفأر والصرف معاً، يمكنك المبيت عند والدتك ..
أجابته الأم بهزه من رأسها آسفة ..

رحلت الأم والطفلة .. أستعد الأب للحرب القادمة .. لم يستغرق كثيراً من الوقت في التفكير ليدرك أنه يجب عليه أن يصنع كميناً للفأر، يجب عليه أن يمنعه من الهروب وإلا سيستمر الفأر في العودة مجدداً، بعد عدة أفكار ومحاولات شعر بالرضا ناحية خطته الأخيرة وشرع في تنفيذها، ربط غطاء مقعد الحمام بخيط مرره من أسفل باب الحمام وأغلق الباب بعد أن ترك ثمرة طماطم بداخل الحمام، جلس بجانب باب الحمام بعد أن تأكد من إغلاق كل شئ يُصدر أي صوت بالبيت حتى يستطيع سماع حركة الفأر بالداخل جيداً، وعندما يتأكد أن الفأر خرج من مقعد الحمام وشرع في أكل ثمرة الطماطم يجذب الخيط فينغلق مقعد الحمام ويصبح الفأر حبيس الحمام وعندها يستطيع الأمساك به أو قتله .. مر بعض الوقت بجانب الباب حتى سمع الأب حركة بداخل الحمام، أنتظر قليلاً حتى يتأكد من أن الفأر دخل المصيدة، سمع حركته على أرضية الحمام، جذب الخيط.

لم ينغلق غطاء مقعد الحمام، فقط جذب الخيط فخرج من أسفل الباب مقطوعا، وقد تبين أسنان الفأر على طرف الخيط، أطلق الأب سبة، فتح الباب، هرب الفأر بعد أن أكل نصف ثمرة الطماطم .. أستشاط الأب غضباً وقال بصوت عالي وكأنه يكلم مقعد الحمام : أتريد اللعب يا أبن الصرمة، سوف أُريك اللعب ..

ربط الأب مقعد الحمام مرة أُخرى، لكن هذه المرة بخيط أطول، ترك نافذة الحمام مفتوحة بعد أن تأكد من أن ضلفتي السلك الحديدي مغلقتين، ترك نصف ثمرة الطماطم، مرر الخيط من أسفل الباب، أغلق الباب، أستمر بفرد الخيط حتى باب شقته، صعد السلم حتى سطح البناية، وعند الجهة المقابلة للمكان الذي قفز منه الفأر في بادئ الأمر، أستطاع الأب من رؤية الحمام الخاص به، ظل يُراقب في حذر، ظهر ظل أسود في مقعد الحمام، في حذر قفز الفأر وتشبث بالحلقة البلاستيكية، أشرأب برأسه، وجد الباب مغلقاً، خرج من مقعد الحمام متجهاً نحو الخيط لقطعه مرة أُخرى، لكن قبل أن يصل جذب الأب الخيط فأنغلق غطاء مقعد الحمام، وبدا على الفأر الذعر ..

أتصل الأب بالأم، الأم : ألو ..
الأب : يمكنك العودة الآن ..
أغلق الأب الموبايل، وأبتسم أبتسامة لها معنى .. 


ملحوظة : مأخوذة عن قصة حقيقية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

الله الفكْرة