المشاركات

عبد الجبار خادم البار

صورة
في وسط مدينة مجهولة، وعلى أطراف ميدان، بهتت حروف أسمه، من على لوحة معلقة على تمثال في منتصف الميدان، لشخص - التمثال - يبدو عليه الصرامة، ويشير بسبابته نحو الشارع المنشود، بقيّت حانة قد نال منها الزمن. أقتعد عجوز وشاب - بينهما ما يكفي من الزجاجات الفارغة - أمام بار خشبي مرتفع؛ ربض به "عبد الجبار" خادم البار ذو الشارب الكثْ، يظهر منه النصف الأعلى وهو منهمك في ملئ الكئوس وتنظيف البار. سأل الشاب بعد أن استمع بهدوء إلى صوت خافت رخيم في الخلفية لأغنية قديمة : - هل تعتقد أن عبد الجبار موجود ؟ رد العجوز وهو مُثبت عينيه على عبد الجبار : - أعتقد أن سؤالك خطأ، أنت تسأل عن وجود شخص قد أفترضت وجوده في سؤالك. - وإن لم أفترض ذلك ؟ - إذاً عبد الجبار غير موجود. - هل أنت متيقّن مما تقول ؟! سكت العجوز لبرهة ثم قال : - لا، أنا أُرجح عدم وجوده. - كيف تقول بعدم وجوده، ثم بعد ذلك ترجح عدم وجوده؛ هل تلوي الكلمات حتى لا أصف قولك بالدوجمائية ؟ - لو أن قولي يُعتبر دوجمائية، لن يكون بقدر دوجمائية القول بوجود عبد الجبار. - وما الذي لا يجعله بنفس القدر ؟! - اعتمادي على أسباب منطقية. - وما ...

أصل الوعي الإنسانيْ

كما ذكرنا آنفاً في التدوينة السابقة "  معضلة القدر والإرادة الحرة  " أن إمكانية تلازم القدر والإرادة الحرة ممكنة، بدون تعارض؛ ويوجد العديد من السيناريوهات والتفسيرات الي تجمعهما معاً دون أن يلفظ أحدهما الآخر. وكان يجدر بنا في السابق، أن نسبق هذا التساؤل بآخر أعمق وأعقد، تساؤل قد يؤدي بنا إلى مفارقات سوف نستعرضها ونناقشها؛ هذا التساؤل هو: ماهو أصل الوعي الإنساني ؟! الوعي الإنساني هُنا المقصود به الإرادة الحرة، إمكانية الأختيار، الفطرة، التمييز بين الصواب والخطأ، ما نعتقد به ونريدة بكامل إرادتنا، ما يجعلنا كائنات عاقلة مدركة، هذه القوة الموجودة بتأثيرها وغائبة بماديتها، هذه القوة التي لا يمكننا الجزم بمكان وجودها أو كنهها حتى الآن، يمكننا تسميتها الروح أو النفس أو العقل، قد نختلف في المسميات لكننا نتفق في ماهيتها، أو ما تقوم به وتفعله، أو ما تجعلنا نفعله. هذا السؤال يدفعنا نحو طريقين أو إجابتين، أولهما: أن الوعي الإنساني خلقه الإله من العدم كسائر الموجودات بما في ذلك الزمن، وقبل الخلق كانت الروح ليس لها وجود، بالتالي أصل وجود الوعي الإنساني هو الإله ذاته، أعطاها الإله الإ...

معضلة القدر والإرادة الحرّة

استنكر الكثيرون مفهوم القدر، لما تبادر فيه من عدم منطقية، أو تسلسل غير سليم؛ خاصةً إذا وُضِع مفهوم الثواب والعقاب في الإعتبار.  لأن تطبيق الثواب والعقاب، يتطلب بالضرورة إلزامنا بمفهوم الإرادة الحرّة، والإرادة الحرة هنا تعني المسئولية الفردية وإمكانية الأختيار. لكن هذه الإرادة تتعارض بشكل صريح مع فكرة القدر، والقدر هنا المقصود به أن كل شيء قد كُتِبْ وعُرِفْ مسبقاً، أنك ليس في يدك شيء، هذه ليست أختياراتك، بل ذلك مكتوب؛ لذلك لو أن كل شيء مكتوب كيف سأحاسب على ما لم أختره ؟! كيف سأحاسب على خطا قُدِّر ليْ أن أرتكبه. يقول البعض أن هذا ظلم، ويقولون أيضاً أنه خطاً منطقي كبير الجمع بين القدر والإرادة الحرة التي تتطلب حساب (ثواب وعقاب). وقد دافع البعض وبسطوا النظريات والتفسيرات لسد هذه الثغرة، ومن أهم هذه النظريات هي أن الإله قد أعطانا الحرية كاملة، لكنه يمتلك ما يسمى بعلم الحصر ويفسرون معنى (علم الحصر) بمثال المعلم الذي يتنبأ أي التلميذين سينجح وأيهما سيرسب لأنه يعلم مدى أجتهادهما، ولكن نظرية علم الحصر هذه، لإثباتها ينبغي التأكيد على مفهومين آخرين؛ أولهما: هو أن علم الحصر أو التنبؤ ...

سليذرن أم جريفندور لأيهما تنتمي ؟!

صورة
ملحوظة: إن لم تقرأ أو تشاهد سلسلة هاري بوتر أو أي أجزاء منها، لن تواجه صعوبه في الوصول للرسالة الموجودة داخل هذه التدوينة بل يمكن أن تحثك على قراءة السلسلة أو مشاهدتها أو كلاهما، لكنها قد تُفقدك حس التشويق لما ستفصح عنه من أحداث ، إذا كنت تخطط لقراءة السلسلة وأنت ممن لا يستطيعون الأستمتاع بمشهد مرتين فأنصحك ألا تستأنف القراءة، وربما تقرأ هذه التدوينة بعد قراءة السلسلة؛ أما إذا كنت لا تبالي وتستمتع متى شئت وأينما شئت إذن فاستمتع هنا وهناك.          سليذرين وجريفندور هما اسميْ منزلان، من أربعة منازل تكوِّن مدرسة هوجورتس للسحر، أنشأهما غودريك جريفندور وسالازار سليذرين، وسُميّا على أسميْهما، قبل أن تتصاعد الخلافات بينهما، ويتْرك سالازار المدرسة ويختفي؛ توارثت الأجيال هذا الخلاف، وأصبحت العداوة قائمة، بين كل من ينتمي لكلا المنزلين. رمز سليزرن وجريفندور قُسمت المنازل الأربعة، ونُسب إليها صفات مؤسسيها الأربعة، وأصبح إختيار الطلاب للألتحاق بكل منزل، يعتمد على صفاته أقرب لأي مؤسس؛  رمز جريفندور هو الأسد، وتتباين صفاته في الشجاعة والفروسية والجرأة؛ أما سليذرين ...

أنتِ أيضاً مُتواطِئة

صورة
عاصرنا العديد من النظريات التحليلية للمجتمع الإنساني عامة والشرقي خاصة، وكانت النظريات الي تستميل أنتباهنا، وتشرأب من أجلها أعناقنا، وتتسع أمامها مُقليتنا، و دائماً كانت تخص المرأه وتفاعلها مع المجتمع بين كرٍ وفر، بين حرية واسترقاق -مباشر أو غير مباشر- ، وقد أوشكت المرأه -بشكل رسمي- أن تنال حريتها في مجتمعنا، لكن على مستوى التطبيق، قد سُلبت الكثير مما أستحقت، ما وراء الكواليس وداخل العقول، في الحارات النائية والأماكن المظلمة من المجتمع، قد حاوطتها العقبات بشكل غير مباشر، عقبات الوعي والإدراك الفردي؛ هُملت كإنسان وأُستبيحت كجسد، وقد ناقشت -من وجهة نظري- أكبر الأسباب المؤدية لهذه الأستباحة والتي تتعلق بوعي المجتمع المشوه، وصورة المرآه المنقوصة داخل هذا الوعي، في المقالين الآتيين:   غُض عقلك إزدواجية الوعظ والإنحراف الجنسي ( المدينة الفاضلة )  لكن دائماً كانت المعادلة غير متزنة، هذا الوعي يستمد طاقته بصورة مباشرة من مصدر ثابت القوة ومتلون، هناك من يسمم الوعي الإنساني بهذه المعاني المشوهة - المراه جسد - ، أعتدنا التعامل مع أعراض المرض وتناسينا السبب، قطّعنا أرجل الأخطبوط ولم ...

النجار

في نهاية قاطرة المترو المكتظة، أقتعد الطفل ذو العوينات السميكة فخذي أبيه بعد أن أزاح حقيبة المعدات البرتقالية من أمام قدم الأب؛   وضع الأب بعض الأخشاب التي يحملها لتصلح كمقعد للطفل، فأستوى الطفل بعد عدة محاولات، ثم حاول عابثاً أن يخطف القلم العالق خلف أذن الأب،  فضحك الأب ضحكة حنونة، ثم أحاطه بذراعيه، وضمه إلى صدره، وقبله على هامته؛    لم يلبث الطفل شيئاً من الوقت حتى قفز من على فخذي أبيه، بعد أن بذل جهداً مضاعفاً ليتخلص من ذراعيه، ثم أخذ يتفقد المكان حوله؛  أبستم الأب أبتسامة ذات معنى، وبالرغم من شقاؤه الواضح وهيئته المتواضعة، بدا كرجل ثري المشاعر، مرفّه البال، لا يحمل همّاً ولا غمّاً، كأنه أمتلك العالم أجمع.

شجرة الميدان

صورة
كان عليه أن ينْتَظَر الحافلة في موقف الحافلات، الكائن على طرف ميدان صاخب؛ فأخذ يتأمل الباعة الجائلين ،والضجة التي يحدثونها؛ وبعضاً من المارة العابسين، وعدداً من السائقين يتشاتمون، وفشل في معرفة هل هم يتعاركون أم يلهون فقط ؟ ؛ كان الجو خانقاً مليء بعوادم السيارات والأتربة؛ ظل في مكانه حتى شعر بحركة خلفه، عجوز يمشي بهدوء حتى وقف عند شجرة صغيرة، ثم أخرج من حقيبته السوداء زجاجة مياه كبيرة، و شرع يسقي الشجرة بتأني وحلم، كان مائلاً بجذعه لأسفل، ناحية منبت الشجرة، ويرنو إليها بحب وحنان، كأنه يطمئن على صديق مريض، بدا أنه يتأكد أن كل نقطة ماء أستقرت في مكانها، كأم حنون تسقي طفلها وتتأمل ثناياه، فرغت الزجاجة فاستقام العجوز حتى لحظ الشاب يتابعه مبتسما، فحيّاه بأبتسامة وقال: - أتدري !! .. لم يهتم بها أحد وسط هذه الجلبة .. تعوّدت أن أزورها الخميس من كل أسبوع . سرح بعيناه لأعلى كأنما يفتش عن ذكرى ليست بقريبة جعلت عيناه حالمتان سالمتان كطفل وديع ثم أستأنف: - ليتك رأيتها عندما كانت ورقة صغيرة، كانت ضعيفة ورقيقة، لمحتها من مجلسي في الحافلة التي مرت بها غير مبالية، رأيتها تلوِّح لي، وسمعتها تناديني،...