المشاركات

النجار

في نهاية قاطرة المترو المكتظة، أقتعد الطفل ذو العوينات السميكة فخذي أبيه بعد أن أزاح حقيبة المعدات البرتقالية من أمام قدم الأب؛   وضع الأب بعض الأخشاب التي يحملها لتصلح كمقعد للطفل، فأستوى الطفل بعد عدة محاولات، ثم حاول عابثاً أن يخطف القلم العالق خلف أذن الأب،  فضحك الأب ضحكة حنونة، ثم أحاطه بذراعيه، وضمه إلى صدره، وقبله على هامته؛    لم يلبث الطفل شيئاً من الوقت حتى قفز من على فخذي أبيه، بعد أن بذل جهداً مضاعفاً ليتخلص من ذراعيه، ثم أخذ يتفقد المكان حوله؛  أبستم الأب أبتسامة ذات معنى، وبالرغم من شقاؤه الواضح وهيئته المتواضعة، بدا كرجل ثري المشاعر، مرفّه البال، لا يحمل همّاً ولا غمّاً، كأنه أمتلك العالم أجمع.

شجرة الميدان

صورة
كان عليه أن ينْتَظَر الحافلة في موقف الحافلات، الكائن على طرف ميدان صاخب؛ فأخذ يتأمل الباعة الجائلين ،والضجة التي يحدثونها؛ وبعضاً من المارة العابسين، وعدداً من السائقين يتشاتمون، وفشل في معرفة هل هم يتعاركون أم يلهون فقط ؟ ؛ كان الجو خانقاً مليء بعوادم السيارات والأتربة؛ ظل في مكانه حتى شعر بحركة خلفه، عجوز يمشي بهدوء حتى وقف عند شجرة صغيرة، ثم أخرج من حقيبته السوداء زجاجة مياه كبيرة، و شرع يسقي الشجرة بتأني وحلم، كان مائلاً بجذعه لأسفل، ناحية منبت الشجرة، ويرنو إليها بحب وحنان، كأنه يطمئن على صديق مريض، بدا أنه يتأكد أن كل نقطة ماء أستقرت في مكانها، كأم حنون تسقي طفلها وتتأمل ثناياه، فرغت الزجاجة فاستقام العجوز حتى لحظ الشاب يتابعه مبتسما، فحيّاه بأبتسامة وقال: - أتدري !! .. لم يهتم بها أحد وسط هذه الجلبة .. تعوّدت أن أزورها الخميس من كل أسبوع . سرح بعيناه لأعلى كأنما يفتش عن ذكرى ليست بقريبة جعلت عيناه حالمتان سالمتان كطفل وديع ثم أستأنف: - ليتك رأيتها عندما كانت ورقة صغيرة، كانت ضعيفة ورقيقة، لمحتها من مجلسي في الحافلة التي مرت بها غير مبالية، رأيتها تلوِّح لي، وسمعتها تناديني،...

الطفل ذو الحقيبة

تمزّع ظهر الطفل، معترضاً على الحقيبة الكبيرة، المحمولة على ظهره؛ فأنتصب بجسده، وفرد قامته الصغيرة متمطياً، مادّاً ذراعيه لأعلى، حتى مال أعلاه للخلف، وتقوس ظهره، و كادت الحقيبة تشده لأسفل، وتُسقطه على ظهره؛ ثم أعتدل بجسده، وحبك ذراعي الحقيبة على كتفه؛ لم يعط بالاً كيف سلبته حقيبته حرية الحركة واللهو، بالرغم من تقطيبه الواضح، حتى بدا أنه يستمد عبوسه من طبيعته الجافة، وليس من شقائه المعتاد؛ بدلا من ذلك، أنشغل فكره بأين ومتى سوف يلقي هذا الحمل عن كاهله، حتى حاوطته خفقات من ذكريات قريبة، ونفحات من سعادة مغلفة بالحرية، فأراحت المخيلات ظهره، وأودعته حالماً، بعد أن وشى ثغره عن شبح أبتسامه نضحت من قسماته الحادة .

فتى

فتى تتميز بدانته بالمرح؛ يعتصر مقبض دراجتة البخارية الصغيرة، الكائنة تحته؛ بدت وكأنها غير موجوده، حتى تتحقق من أجزائها الثائرة لأعلي وأسفل؛ تئن دعائمها عندما فاضت جنبات الفتى؛ أنزلق الفتى بين العربات، رغم بدانته، كبساط سحري يركب الريح؛ أصبحت المقاومة معدومة، وسبح في فراغ، يملؤه عقله ووجدانه؛ عندها، أعتقد أن كل شىء ممكن،  وليس هناك ما يوقفه؛ فتوحد مع هذه اللحظه، وأمست كأنها حياته كلها .

أزدواجية الوعظ والانحراف الجنسي (المدينة الفاضلة)

      لا يلبث الطفل/الطفلة أن يتم السابعة من عمره، حتى تنهال عليه شعارات الويل والثبور، المُعلنة والمخفية، المباشرة والغير مباشرة؛ من معلميه ووالديه والأقارب والأئمة والشيوخ وخطب الواعظين، عن موقفه تجاه المرأه (الطفله التي أعتبروها امرأه)، لا تقرب هذا، ولا تلمس ذاك، إفصلوا بينهم، في المنازل، في المدارس، وفي الشوارع .     ولا يلبث المراهق/المراهقة، أن يكسر حاجز الصمت، وأن يعبِّر عن مافي مكنونه من مشاعر بريئة مغلفة بالطاقة والأنطلاق، حتى يجرفه طوفان المحرمات، وصرخات المؤمنين المتنمقين الداعين المدّعين، الحرام حراماً، والحلال حلال، أطلبه بالحلال أسلم وأنقى وأطهر، أطلبه حلالاً تفز بالدنيا والآخرة .        ولا يفتأ المراهق أن يصير رجلاً، إلا وقد خاض الطريق المحرم، بكل أنواعه، تحت شوارع وطرقات المدينه الفاضلة، تحت ظلال الوعّاظين والمتفقهين والصارخين، حتى تظل المدينة الفاضلة، فاضلة، والأنفاق تحمل مخلفاتها، ومن أتق أنفاقها، عاش متهماً بالعربدة في طرقاتها وتحت شمسها .    وكأنمــا الرجل لم يكن مراهقاً، فقد نسي ماضيه، وأتخذ ...

ساعة

ساعة كاملة تُحاط بغلاف زجاجي، كإحدى المعروضات الغالية، أو كلاعبة جمباز تبتسم وتتصنع الرقة مع التناقض الواضح في جسدها الخالي من الأنوثة وحركاتها القوية العنيفة، لن تنبث بكلمة حتى لا ينكسر غلافك الزجاجي وينخفض سعرك في مزاد "المشروع". تنظر .. تترقب .. تلاحظ .. تضىء عيناك بلمعة الشفقة، والحرمان، تفرغ فاك وتخرج لسانك لاهثا من أجل صفقة رابحة، حقيبة مملوءة بالتعب النفسي والإرهاق الجسدي في مقابل حقيبة تحمل ورقة واحده مكتوب عليها "أمتياز". نعم يا بني لقد أبليت بلاءً حسناً؛ لكن ليس هناك مانع من أن أعتصر قلبك في يدي قليلاً، وأن أمسح وجهك في مقدمة حذائي، المتسخ دائماً بأشلاء أصدقائك، وإلا فلماذا أنا جئت، هذا هو أكلي وشرابي وملاذي، ببساطة هذه هي شهوتي والمحرك الأساسي لبقائي.   "خبايا الكلام في فن الأفحام" .. ياسلام .. يا سلام .. هذا هو عنوان مجلدي الجديد، لن تجده أقل مللا من محاضراتي لكنك ستبتاعه، وتثني عليه كعادتك، وإلا سأحكم القبض على قلبك الصغير أكثر حتى تقضي الليلالي تستجدي مقدمة حذائي. سأعلق أعصابك أوتاراً على جيتاري وستسمع صوت عذابك العذب طوال الساعة، حتى أه...

المستشفى

- فاضل قد إيه تقريباً ؟ - قدامك ستة أشخاص وحضرتك هتخش بعدهم. - طب أنا هخرج شوية وهرجع بعد نص ساعة. - تمام، بس ياريت حضرتك متتأخرش عشان الدور ميفوتكش. - مش هتأخر. خرج من المستشفى، حاملا حقيبته على ظهره، باحثاً عن مقهى قريب، ليلتقط أنفاسه قليلاً، بدلاً من الجلوس في المستشفى، التي طالما بعثت فيه شعور بالمرض والكآبه؛ خرج من باب المستشفى، ثُم أنحنى يساراً بعد أن تخطى المبنى المجاور، لمح بطرف عينه رجل وامرأه يتجادلان عند ناصية الشارع، بينما تتبع خطوات رجل يحمل صينية عليها كوبين من الماء وكوب فارغ تبين أثر ما تبقى فيه من القهوة، تقفى أثره عسى أن يرشده للمقهى الذي يعمل به؛ عندما دلف الرجل من باب محل صغير، علم أن هذا المقهى غير مخصص لأستقبال الزبائن، لصغر حجمه،وإنما خُصص لتوصيل المشاريب للمحلات المجاورة، أستسلم بعد أن سأل نفسه: ((هل كوب من القهوة يستحق كل هذا العناء ؟!))؛ أستدار عائداً، مشى خطوتين، ثم تذكر رائحة المستشفى، فرجع عن قراره، أستدار مرة أخرى، عبر الشارع للناحية المقابلة، ثم عكف يسأل أصحاب المحلات عن المقهى القريب، حتى دله على مضض صاحب محل ملابس ملتحي: ((قدام على إيدك الشمال))،...